حيدر حب الله
200
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
يجب مراجعتها في مصادر المسلمين قبل تسجيل هذا الإشكال ، فنحن لو راجعنا ما زعمته المصادر التاريخية والتفسيرية للمسلمين في هذه القصّة ، وقارنّا ذلك بما تعطيه السورة الكريمة ، لم يعد هناك أيّ مجال للإشكال على هذه السورة القرآنية ، وذلك على النحو التالي : أ - إنّ مصادر المسلمين تقول بأنّ أبرهة حبشيٌّ ، وبأنّ اليمن كانت تتبع الحبشة أو كانت على علاقة استراتيجيّة وتحالف قويّ معها ، حيث كانت الحبشة تحت حكم النجاشي ، جدّ النجاشي الذي عاش في عصر النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ، وهذا معناه أنّه من الممكن - على أبعد تقدير - استقدام الفيل من الحبشة وبلاد إفريقيا إلى اليمن ، وأنّه ليس بالأمر المستحيل بعد هذا التحالف أو التبعيّة أو الارتباط الاقتصادي والسياسي . ب - إنّ الناقد تصوّر هنا أن جيش أبرهة كان من الفيلة ، وهذا خطأ شائع ، فلم تقل مصادر المسلمين المعروفة ذلك ، كلّ ما في الكتب هو أنّ أبرهة سار بجيش كسائر الجيوش يتقدّمه - على اختلاف الروايات التاريخية - فيلٌ اسمه محمود ، أو ثلاثة فيلة ، أو سبعة ، أو اثنا عشر فيلًا ، فأكثر الروايات التاريخية المتداولة في كتب المسلمين تحكي عن اثني عشر فيلًا فقط ، وقد أراد أبرهة بذلك جعل الفيل أو الفيلة المعدودة في مقدّمة الجيش في شكلٍ من أشكال ترويع العرب من جهة ، وإبرازا لرمز القوّة في البلدان الإفريقية وهو الفيل من جهة ثانية ، وتمهيداً لتهديم الكعبة من جهة ثالثة ؛ لأنّ الفيل له هذه القدرة ، فأيّ مانع من استقدام اثني عشر فيلًا فقط من بلاد إفريقيا إلى بلاد اليمن الخضراء - لا سيما في مناطقها الجبلية التي يتوفّر فيها هطول الأمطار بشكل أكبر - والتي فيها جنات عدن ، والتي يختلف مناخ كثير من مناطقها مع مناخ الجزيرة العربية ( وربما كان